مقدمة: نداء البحر الغدار
قبل أن تتدفق آبار النفط وتحول الصحراء القاحلة إلى ناطحات سحاب مذهلة، كان الخليج العربي يعيش على إيقاع واحد وموحد: صوت أمواج البحر وهتافات "النهام" على ظهر السفن الخشبية. لم يكن البحر بالنسبة لأهل الخليج مجرد منظر جميل، بل كان ساحة معركة يومية قاسية تُسمى "الغوص الكبير". رحلة يغيب فيها الرجال لأربعة أشهر كاملة في عرض المحيط، يصارعون الموت والقرش والموج العاتي من أجل استخراج حبة لؤلؤ قد تصنع ثروة لتاجر.. أو تدفن غواصاً في أعماق القاع! فما هي تفاصيل هذه الملحمة الإنسانية المذهلة؟
الفصل الأول: لحظة الوداع ونشيد "النهام" الحزين
في شهر مايو من كل عام، يعلن "السردال" (قائد أسطول الغوص) بدء الموسم. تتجمع العائلات على الشواطئ في مشهد درامي تملؤه الدموع؛ فالنساء يودعن أزواجهن وأبناءهن وهم يعلمون أن نسبة من هذه السفن لن تعود أبداً.
بمجرد أن تبحر السفن الخشبية التقليدية (مثل الجلبوت والسنبوك)، يبدأ دور "النهام"، وهو المطرب البحري الذي يملك صوتاً شجياً يبعث الحماس في قلوب الرجال ويخفف عنهم ألم الفراق المشحون بالشوق. كان نشيد البحر يتردد بين الأمواج ليواسي الغواصين وهم يستعدون للهبوط إلى "الهيرات" (أماكن تجمع المحار في قاع البحر).
الفصل الثاني: في جوف الموت.. دقيقة بين الحياة والفناء
تبدأ عملية الغوص مع شروق الشمس ولا تنتهي إلا مع الغروب. لم يكن الغواص يملك كبسولات أكسجين أو بدلات حديثة؛ كل أدواته كانت بدائية جداً:
الفطام: مشبك صغير من عظم السلحفاة يوضع على الأنف لمنع دخول الماء.
الخبط: قفازات جلدية لحماية الأصابع من الصخور الحادة والمحار.
الزيبيل: حبل يربط فيه الغواص رجله بثقل حجر ليغوص بسرعة إلى القاع الذي قد يصل عمقه إلى 20 متراً.
يكتم الغواص أنفاسه لمدة دقيقة ونصف كاملة تحت ضغط ماء مرعب. في الظلام الدامس، يبدأ بجمع المحار بسرعة البرق وسط تهديد مستمر من الأسماك المفترسة مثل القرش (الجرجور) ودجاجة البحر السامة. وعندما يوشك هواؤه على النفاد، يهز الحبل بقوة ليسحبه "السيّب" (الرجل المسؤول عن إنقاذه وسحبه إلى سطح السفينة). كان الغواص يخرج ودمه ينزف أحياناً من أنفه وأذنيه بسبب الضغط، ليرتاح دقيقتين ثم يعاود الهبوط مجدداً لأكثر من 50 مرة في اليوم الواحد!
الفصل الثالث: ليلة "الفلق" والمفاجأة الكبرى
بعد يوم شاق من الغوص، يأتي الليل وتبدأ مرحلة حبس الأنفاس الحقيقية: "فلق المحار". يجلس البحارة تحت ضوء الفوانيس الخافت، ويفتحون المحار باستخدام سكين صغيرة تُدعى "المفلقة".
الجميع يراقب بصمت وقلق، فمعظم المحار يخرج فارغاً، لكن فجأة.. قد تلمع تحت الضوء حبة لؤلؤ أسطورية من نوع "الجيوان" (أصفى وأنقى أنواع اللؤلؤ وأغلاها ثمناً). هنا تتعالى الصيحات والتكبيرات على ظهر السفينة؛ فهذه اللؤلؤة الواحدة كفيلة بسداد ديون البحارة وتأمين عيش عائلاتهم لسنوات قادمة، وتغيير مجرى الرحلة كلياً.
خاتمة: الدموع التي صنعت مجد الحاضر
عندما تنتهي الرحلة ويحين "القَفّال" (موسم العودة في سبتمبر)، ترفع السفن أعلامها البيضاء وتطلق المدافع لتستقبلهم الشواطئ بالأفراح والزغاريد.
رحل زمن الغوص الشاق، وظهر النفط، وصارت لآلئ الخليج تُصنع في المختبرات، لكن تاريخ الغوص يظل المحك الحقيقي الذي صقل شخصية الإنسان الخليجي؛ تاريخ يثبت أن ناطحات السحاب والأبراج الشاهقة اليوم لم تأتِ من فراغ، بل بُنيت على أكتاف أجداد شجعان كتبوا بدمائهم وعرقهم أعظم ملاحم الصبر والكفاح في أعماق البحار.
