الملكة ديهيا: لغز "الكاهنة" الأمازيغية التي هزمت جيوش العرب


مقدمة

شهد تاريخ شمال إفريقيا صراعات وملاحم كبرى غيّرت مجرى التاريخ، ولكن تظل هناك شخصية نسائية استثنائية أثارت حيرة المؤرخين العرب والأجانب على حد سواء. إنها الملكة الأمازيغية ديهيا، والمعروفة في المصادر التاريخية بلقب "الكاهنة". المرأة التي وحدت القبائل، وحكمت المغرب الأوسط، ووقفت نداً عنيداً أمام تمدد الفتوحات الإسلامية. فمن هي ديهيا؟ وكيف تمكنت من إلحاق الهزيمة بجيوش العرب؟

من هي ديهيا؟ سر اللقب العجيب

ولدت ديهيا في جبال الأوراس (الجزائر الحالية)، وكانت تتمتع بذكاء حاد، وحكمة بالغة، وقوة شخصية جعلت قبائل الجراوة الأمازيغية تدين لها بالولاء والتقدير بعد مقتل القائد كسيلة.

أما لقب "الكاهنة"، فقد أطلقه عليها الفاتحون العرب لأنهم ذُهلوا من دقة خططها العسكرية وقدرتها الرهيبة على التنبؤ بتحركات جيوشهم وإدارتها للمعارك، فاعتقدوا أنها تملك قوى غيبية أو تستعين بالسحر، بينما تُشير الدراسات الحديثة إلى أن السر كان يكمن في شبكة المخابرات والاستطلاع القوية التي أسستها من فرسانها.

معركة وادي نيني: الصدمة الكبرى لجيوش العرب

بعد استقرار الوضع للعرب في القيروان، تحرك القائد العربي حسان بن النعمان بجيش ضخم لفتح المغرب الأوسط وإخضاع قبائل الأوراس. وكان يعتقد أن المهمة ستكون سهلة بعد قضاء زهير بن قيس البلوي على كسيلة.

لكنه تفاجأ بالملكة ديهيا تنتظره عند نهر نيني (قرب عين البيضاء حالياً بالجزائر). أدارت ديهيا المعركة بذكاء عسكري خارق؛ حيث استغلت طبيعة الأرض الجبلية وحماس مقاتليها الأمازيغ، وشنت هجوماً صاعقاً تسبب في انكسار جيش حسان بن النعمان. ولم تكتفِ بالانتصار، بل طاردت فلول الجيش حتى طردتهم تماماً إلى حدود برقة (ليبيا)، وأسرت عدداً كبيراً من قادتهم، كان من بينهم قائد شاب يُدعى "خالد بن يزيد"، والذي اتخذته لاحقاً كابنٍ متبنّى لها.

سياسة الأرض المحروقة: الخطأ الذي غيّر كل شيء

حكمت ديهيا شمال إفريقيا لعدة سنوات بعد هذه المعركة. وعندما علمت أن حسان بن النعمان يجمع جيشاً جديداً لا يُقهر وبإمدادات ضخمة من الخليفة الأموي، اتخذت قراراً مثيراً للجدل عُرف في التاريخ بـ "سياسة الأرض المحروقة".

قالت ديهيا لشعبها: "إن العرب لا يريدون من بلادنا إلا المدن والذهب والمزارع، فإذا خربناها زهدوا فيها". وأمرت بقطع الأشجار، وهدم الحصون، وحرق المحاصيل وتحويل القرى المزدهرة إلى خرائب. هذه الاستراتيجية أدت إلى غضب واستهجان كبيرين من القبائل الأمازيغية المستقرة وسكان المدن الذين تضررت مصالحهم، مما تسبب في تشتت وحدتهم وضعف الجبهة الداخلية للملكة.

المعركة الأخيرة ونهاية الأسطورة

في عام 74 هـ، عاد حسان بن النعمان بجيش جرار، مستغلاً المعلومات الاستخباراتية التي كان يرسلها له ابنه المتبنى "خالد بن يزيد" من داخل قصر الملكة، بالإضافة إلى حالة الانقسام داخل المجتمع الأمازيغي بسبب حرق المحاصيل.

التقى الجيشان في معركة طاحنة عند بئر عُرفت لاحقاً باسم "بئر الكاهنة" في جبال الأوراس. قاتلت ديهيا بشجاعة أسطورية وهي في سن متقدمة حتى قُتلت في المعركة. وقبل وفاتها، أظهرت حنكة سياسية بالغة؛ حيث أمرت أولادها بالانضمام إلى جيش المسلمين وإعلان إسلامهم، ليتحول أولادها لاحقاً إلى قادة كبار في الجيوش الإسلامية التي فتحت الأندلس.

خاتمة

تظل الملكة ديهيا أو "الكاهنة" رمزاً تاريخياً معقداً؛ يراها البعض نموذجاً للمرأة الحديدية التي دافعت عن أرضها وهويتها حتى الرمق الأخير، بينما يراها آخرون عقبة مؤقتة أمام الفتوحات. لكن الثابت تاريخياً، أنها كانت واحدة من أعظم القادة العسكريين الذين أنجبتهم أرض شمال إفريقيا.