كيف أنقذ الأخوين "بربروس" الجزائر من الإسبان وبنيا أسطولاً هز أوروبا؟

المقدمة (الخطّاف): في أوائل القرن السادس عشر، كانت سواحل شمال إفريقيا تعيش أحلك أيامها؛ فسقوط الأندلس فتح شهية الإسبان المحتلين الذين بدأوا في غزو المدن الساحلية الجزائرية الواحدة تلو الأخرى، فاحتلوا المرسى الكبير، ووهران، وبجاية، وبنوا حصناً منيعاً أمام سواحل العاصمة يُدعى "بينون" لتركيع السكان. وفي ذروة هذا اليأس، ظهرت في الأفق سفن تحمل رايات غريبة، يقودها أخوان بلحية حمراء وثائرة، غيرا جغرافية البحر الأبيض المتوسط إلى الأبد.. إنهما عروج وخير الدين بربروس. فمن هما هذان الأخوان؟ وكيف تحولا من بحارين بسيطين إلى ملوك وأساطير ارتعدت لهما ملوك أوروبا؟ البداية: من جزيرة لسبوس إلى نجدة المسلمين ولد الأخوان عروج وخير الدين (واسمه الحقيقي خضر) في جزيرة لسبوس اليونانية، وعملا في التجارة البحرية قبل أن يتحولا إلى ركوب البحر والجهاد البحري ضد فرسان القديس يوحنا الذين كانوا يقرصنون سفن المسلمين. ذاع صيت القبطان عروج بشجاعته الأسطورية، خاصة بعد أن كرّس سفنه لإنقاذ الأندلسيين المطرودين من جحيم محاكم التفتيش في إسبانيا ونقلهم إلى سواحل المغرب العربي. وبسبب لحيته الحمراء، أطلق عليه الأندلسيون لقب "بابا عروج" (الأب عروج) كعلامة احترام، وهو الاسم الذي حرفه الأوروبيون رعباً إلى "بربروسا" (Barbarossa) أي اللحية الحمراء. نقطة التحول: استغاثة أهل الجزائر والملحمة الكبرى في عام 1516، أرسل أعيان وعلماء مدينة الجزائر استغاثة عاجلة إلى القبطان عروج لإنقاذهم من الخنق الاقتصادي والعسكري الذي فرضه عليهم الإسبان من حصن "بينون". لبى عروج النداء فوراً، ودخل مدينة الجزائر وسط تهليل وتكبير السكان. ولم يكتفِ بتحرير العاصمة، بل خاض معارك طاحنة لتطهير المدن الداخلية، فحرر البليدة، والمدية، وتلمسان. وفي هذه الأخيرة، حاصره الجيش الإسباني حصاراً خانقاً. وقاتل عروج بشجاعة أسطورية -رغم أنه كان مقطوع الذراع اليسرى بسبب معركة سابقة- حتى سقط شهيداً في معركة تلمسان عام 1518، مخلفاً وراءه حزناً عميقاً وصدمة كبرى. خير الدين بربروس: العبقرية السياسية وبناء الإيالة بعد استشهاد عروج، ظن الإسبان أن القصة انتهت، لكن الأخ الأصغر "خير الدين" كان يمتلك عبقرية سياسية وعسكرية لا تقل عن أخيه. أدرك خير الدين أن مواجهة الإمبراطورية الإسبانية الضخمة تتطلب سنداً دولياً قوياً، فقام بخطوة استراتيجية ذكية: أرسل وفداً إلى السلطان العثماني سليم الأول يعرض عليه ربط الجزائر بالخلافة العثمانية. وافق السلطان فوراً، وأرسل مدداً عسكرياً من قوات الإنكشارية، وعيَّن خير الدين "بايلرباي" (أميراً للأمراء) على الجزائر. ومن هنا، ولدت رسميًا "إيالة الجزائر" كدولة قوية ذات سيادة.
دك حصن "بينون" والسيادة المطلقة على البحر كان الهدف الأول لخير الدين هو تدمير حصن "بينون" الإسباني الجاثم على صدور الجزائريين. وفي عام 1529، دكَّ خير الدين الحصن بالمدافع دكاً عنيفاً وصارماً حتى استسلمت الحامية الإسبانية، وقام بربط الجزر الصغيرة بالمدينة ليبني ميناء الجزائر الشهير. تحولت الجزائر تحت حكم خير الدين إلى أقوى قاعدة بحرية في البحر الأبيض المتوسط، وأصبح الأسطول الجزائري يفرض إتاوات وضرائب على السفن الأوروبية لقرون. وبسبب عبقريته، استدعاه السلطان العثماني إلى إسطنبول وعيَّنه "قائدًا عامًا للأساطيل العثمانية كلها" (قبطان باشا)، حيث قاد معركة "بروزة" الأسطورية وهزم فيها التحالف الأوروبي الصليبي بالكامل.