صخرة الشرق العصية: كيف حطم الحاج أحمد باي كبرياء فرنسا تحت أسوار قسنطينة؟

لمقدمة (الخطّاف): في نوفمبر من عام 1836، وقف الجنرال الفرنسي "كلوتيل" مذهولاً أمام أسوار مدينة قسنطينة العتيقة، ينظر إلى جثث جنوده النخبة وهي تتساقط من أعالي المنحدرات السحيقة لوادي الرمال. لقد ظنت فرنسا، التي احتلت العاصمة قبل ست سنوات، أن إخضاع الشرق الجزائري سيكون نزهة عسكرية قصيرة. لكنها اصطدمت برجل واحد، أقسم ألا يدنس المستعمر مدينته المعلقة في الهواء.. إنه الحاج أحمد باي. فما هي قصة هذا القائد المحنك الذي هزم جيش فرنسا الأقوى في أوروبا مرتين متتاليتين؟ وكيف تحولت قسنطينة إلى مقبرة لطموحات الجنرالات الفرنسيين؟ البداية: من هو الحاج أحمد باي؟ ولد أحمد باي بن محمد الشريف في قسنطينة لأسرة عريقة؛ حيث كان والده كراغلياً (من أصول عثمانية) ووالدته الحاجة شريفة من عائلة "بن غانة" الأمازيغية العريقة في منطقة بسكرة. هذا المزيج الفريد أعطاه هيبة سياسية وقبولاً واسعاً لدى القبائل المحلية في الشرق الجزائري. في عام 1826، عُين باياً على بايلك الشرق (قسنطينة)، وخلال حكمه أظهر عبقرية تنظيمية وإصلاحية كبرى. وعندما سقطت مدينة الجزائر في يد الاحتلال الفرنسي عام 1830، رفض أحمد باي الاستسلام أو التنازل، وقرر تحويل قسنطينة إلى عاصمة المقاومة وقطع كل صلة له بالفرنسيين. نقطة التحول: الحملة الأولى عام 1836 وانكسار كبرياء فرنسا في خريف عام 1836، جهزت فرنسا جيشاً ضخماً بقيادة الحاكم العام "الجنرال كلوتيل" وبحضور شخصي لابن ملك فرنسا "الدوق بنيمور". زحف الجيش نحو قسنطينة وهو واثق من النصر، مستغلاً وعورة الطريق وظناً منه أن السكان سيستسلمون فوراً. لكن أحمد باي كان قد أعد خطة دفاعية عبقرية وصارمة؛ حيث استغل التضاريس الطبيعية الأسطورية لمدينة قسنطينة المحاطة بأخدود وادي الرمال السحيق كخندق طبيعي. أغلق الباي بوابات المدينة (مثل باب القنطرة وباب الجابية)، وقام بتوزيع الرماة على الأسوار، بينما قاد هو بنفسه جيش الخيالة خارج المدينة لضرب مؤخرة الجيش الفرنسي وحصار خطوط إمداده. وعندما حاول الفرنسيون اقتحام "باب القنطرة"، واجهوا هجوماً مضاداً شرساً من الأهالي والجنود. وتحت وطأة البرد القارس، ونقص المؤن، والضربات الموجعة لخيالة أحمد باي، اضطر الجيش الفرنسي للانسحاب الفوضوي المرير، تاركاً وراءه مدفعيته، وسلاحه، وجثث مئات الجنود، في أكبر هزيمة عسكرية تلقتها فرنسا منذ دخولها الجزائر. الحصار الثاني عام 1837 وسقوط المدينة المعلقة لم تتحمل باريس صدمة الهزيمة، فقررت تجهيز حملة ثانية انتقامية في العام الموالي (أكتوبر 1837)، ووضعت على رأسها "الجنرال دامريمون" مع استقدام أحدث مدافع الحصار الثقيلة لتدمير أسوار المدينة. هذه المرة، ركزت فرنسا مدافعها على ثغرة "الكودية عاتي" وبدأت في دك الأسوار دكاً عنيفاً لعدة أيام حتى أحدثت ثغرة فيها. ورغم مقتل القائد العام الفرنسي "دامريمون" قذيفة جزائرية أثناء الحصار، إلا أن الجيش الفرنسي واصل الاقتحام بقيادة "الجنرال فالي". انتقل القتال إلى داخل أزقة قسنطينة وشوارعها الضيقة؛ حيث قاتل السكان من رجال ونساء بشجاعة مستميتة من بيت إلى بيت. وعندما أدرك الأهالي أن المدينة سقطت، وقعت حادثة تراجيدية مبكية؛ إذ حاول المئات من النساء والأطفال الفرار عبر الحبال من أعالي جرف وادي الرمال السحيق، لكن الحبال انقطعت بسبب الثقل، ليتساقط المئات منهم شهداء في قاع الوادي، وتسقط صخرة الشرق بعد ملحمة صمود أذهلت الأعداء قبل الأصدقاء.
نهاية البطل المستمر في المقاومة لم ينتهِ تاريخ أحمد باي بسقوط قسنطينة؛ إذ رفض الاستسلام وفر نحو الأوراس والصحراء (بسكرة وباتنة)، حيث واصل قيادة حرب العصابات ضد المستعمر الفرنسي لـ 11 سنة كاملة. ولم يستسلم القائد العجوز إلا في عام 1848 بعد أن أنهكه المرض وتقدم به السن وتخلت عنه الإمدادات، فنُقل إلى العاصمة حيث عاش تحت الإقامة الجبرية حتى وافته المنية عام 1850، ودفن في زاوية سيدي عبد الرحمن الثعالبي، مخلفاً وراءه اسماً من ذهب في تاريخ الجزائر.