عاصمة الفتوحات: قصة بناء مدينة القيروان وكيف تحولت إلى حصن الإسلام في إفريقيا؟
المقدمة (الخطّاف):
في عام 50 للهجرة، وقف القائد الفاتح عقبة بن نافع في وسط إقليم إفريقية (تونس الحالية)، ينظر إلى أرض سبخة موحشة مليئة بالسباع، والأفاعي، والغابات الكثيفة. التفت عقبة إلى قادته وقال جملته التاريخية التي غيرت جغرافية المنطقة إلى الأبد: "إن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع من لم يسلم منهم.. فأرى لكم أن تتخذوا بها مدينة تكون قيرواناً لجيوش المسلمين وسنداً لهم إلى آخر الدهر". فما هي الأسرار الخفية وراء بناء مدينة القيروان؟ وكيف تحولت هذه البقعة الموحشة إلى منارة علمية وعسكرية حكمت شمال إفريقيا والأندلس؟
البداية: لماذا فكر عقبة في بناء مدينة جديدة؟
قبل بناء القيروان، كان المسلمون يواجهون معضلة عسكرية كبرى؛ فكلما فتحوا مدينة وانسحبوا منها، انقلبت القبائل المحلية وتحالفت مع البيزنطيين مجدداً، لعدم وجود مركز عسكري دائم للمسلمين في المنطقة.
كان عقبة بن نافع قائداً استراتيجياً بعيد النظر، فأدرك أن السيطرة على هذه البلاد الشاسعة تتطلب بناء عاصمة عسكرية حصينة، تكون قاعدة لتجمع الجيوش، ومخزناً للسلاح والمؤن، ومركزاً دعوياً لتعليم سكان المنطقة مبادئ الدين الإسلامي واستقرارهم فيه.
نقطة التحول: اختيار الموقع العبقري ومأدبة الأفاعي
لم يختر عقبة موقع القيروان على الساحل خوفاً من الأساطيل البحرية البيزنطية التي كانت تهيمن على البحر الأبيض المتوسط آنذاك، وفي نفس الوقت لم يخترها في عمق الجبال الوعرة حتى يسهل تحرك فرسان المسلمين. اختارها في منطقة "قمونية" وسط السهول، بعيدة عن البحر وبعيدة عن الجبال.
تروي كتب التاريخ الإسلامي قصة فيها الكثير من الرمزية؛ حيث كانت الأرض مليئة بالوحوش والهوام، فوقف عقبة بن نافع ونادى بأعلى صوته: "أيتها الحيات والسباع، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارحلوا عنا فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد هذا قتلناه". ويذكر المؤرخون أن السباع والحيات بدأت تخرج من الغابة وتحمل أولادها وترحل في مشهد أذهل القبائل المحلية، مما دفع الكثير منهم لاعتناق الإسلام فوراً بعد رؤية هذه "الكرامة" للقائد الفاتح.
مرحلة التخطيط والبناء: ولادة "جامع عقبة"
بدأ المسلمون في قطع الأشجار، وتمهيد الطرقات، وتخطيط دور السكن للقبائل العربية والأمازيغية المستقرة. لكن الخطوة الأهم كانت تحديد قِبلة المسجد الجامع.
خشي عقبة أن يخطئ في تحديد اتجاه القبلة، فدعا الله طويلاً. وتروي المصادر التاريخية أنه رأى في منامه هاتفاً يحدد له مكان القبلة بدقة ويأمره ببناء المحراب هناك. وبالفعل، أقيم "جامع القيروان الكبير" (أو جامع عقبة بن نافع) الذي يعد اليوم واحداً من أقدم وأروع التحف المعمارية الإسلامية في العالم، حيث تميز بمئذنته المربعة الضخمة وأعمدته الرخامية الفريدة التي جُلبت من الآثار الرومانية القديمة.
القيروان: من معسكر جيش إلى منارة علمية عالمية
كلمة "قيروان" هي كلمة معربة من الفارسية وتعني "معسكر الجيش" أو "مكان اجتماع القوافل". ورغم أنها بدأت كقاعدة عسكرية صارمة، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى عاصمة سياسية وحضارية لشمال إفريقيا بالكامل.
في العصور اللاحقة، وخاصة في عهد دولة الأغالبة، ازدهرت القيروان بشكل منقطع النظير؛ فبُنيت فيها المستشفيات، والمدارس، والمكتبات الضخمة مثل "بيت الحكمة"، وأصبحت مقصداً لطلاب العلم من كل حدب وصوب، وخرجت كبار العلماء والفقهاء (مثل الإمام سحنون صاحب المدوّنة)، وظلت عاصمة شامخة حتى تغيرت موازين القوى في العصور اللاحقة.
Commentaires

