لغز سقوط غرناطة: الأيام الأخيرة للمسلم في الأندلس ودموع أبي عبد الله الصغير

لمقدمة (الخطّاف): في الثاني من يناير عام 1492 ميلادي، التفت شاب يرتدي ثياباً ملكية فاخرة ليُلقي نظرة أخيرة على تلال مدينة غرناطة الساحرة، وكانت دموعه تتساقط بغزارة على لحيته. لم يكن هذا الرجل سوى "أبو عبد الله محمد الثاني عشر" (المعروف في الغرب بـ Boabdil)، آخر ملوك المسلمين في الأندلس. في تلك اللحظة الحرجة، اقتربت منه والدته الحازمة "عائشة الحرة" وقالت له جملتها المرعبة التي خلدها التاريخ: "ابكِ اليوم كالنساء مُلكاً مضاعاً.. لم تحافظ عليه كالرجال!". فكيف تهاوت غرناطة، لؤلؤة الأندلس الشامخة؟ وما هي الأسرار الخفية وراء سقوط آخر قلاع المسلمين في أوروبا؟ البداية: غرناطة.. المعقل الأخير في بحر المؤامرات بعد سقوط قرطبة وإشبيلية وجيَّان، لم يبقَ للمسلمين في الأندلس سوى "مملكة غرناطة". ورغم أنها كانت محاصرة بممالك قشتالة وأرغون المسيحية، إلا أنها صمدت لأكثر من قرنين ونصف بفضل تحصيناتها الجبلية الوعرة، وازدهارها الاقتصادي، وهندستها المعمارية الأسطورية المتمثلة في "قصر الحمراء". لكن القاتل الحقيقي لغرناطة لم يكن العدو الخارجي في البداية، بل كان "السرطان الداخلي"؛ حيث اشتعلت صراعات دموية على العرش داخل القصر الملكي بين السلطان أبي الحسن علي، وأخيه "الزغل"، وابنه أبي عبد الله الصغير، مما جعل المملكة تمزق نفسها بيدها. نقطة التحول: فخ "فرناندو وإيزابيلا" والخيانة الكبرى استغل الملك القشتالي "فرناندو" والملكة "إيزابيلا" هذا الانقسام بذكاء شديد. وقع أبو عبد الله الصغير في أسر القشتاليين خلال إحدى المعارك، وبدلاً من قتله، عقدا معه اتفاقية سرية وذكية: أن يساعدوه بالسلاح والمال ليتخلص من أبيه وعمه ويجلس على عرش غرناطة، مقابل أن يسلمهم المدينة لاحقاً! سقط أبو عبد الله في الفخ، وعاد وخاض حرباً أهلية ضد عمه "الزغل" حتى أضعف القوة العسكرية للمسلمين تماماً وانفرد بحكم مدينة غرناطة. وعندما طالبوه بتنفيذ الوعد وتسليم المدينة، صحا من غفلته ورفض، وأعلن الجهاد والدفاع عن المدينة، لكن الوقت كان قد فات.
الحصار الخانق ومجاعة الشتاء الأخير في عام 1491، ضرب الجيش القشتالي حصاراً صارماً ومطبقاً على غرناطة دام لأكثر من سبعة أشهر. بُنيت مدينة عسكرية كاملة أمام أسوار غرناطة سُميت مدينة "سانتا في" (Santa Fe) لإظهار الإصرار على عدم المغادرة. انقطعت المؤن تماماً عن سكان غرناطة، وحلّ عليهم شتاء قارس ومجاعة مرعبة أكلوا فيها الخيول والقطط، وتفشت الأمراض، وعجزت الإمدادات عن الوصول من بلاد المغرب بسبب سيطرة الأساطيل المسيحية على مضيق جبل طارق. تحول قصر الحمراء من مركز للرفاهية إلى سجن كبير يملؤه الخوف واليأس. معاهدة الاستسلام والرحيل المرير تحت وطأة الجوع وضغط الوزراء والفقهاء الذين خافوا من إبادة جماعية للسكان، وافق أبو عبد الله الصغير سراً على توقيع "معاهدة استسلام غرناطة" المكونة من 67 شرطاً، والتي كانت تضمن في ظاهرها حرية العقيدة للمسلمين والحفاظ على أموالهم (وهي الشروط التي نُقضت كلها لاحقاً وظهرت محاكم التفتيش المرعبة). وفي يوم التسليم، دخل الملكان الكاثوليكيان قصر الحمراء، ورُفع الصليب الفضي والراية القشتالية على أعلى أبراج القصر، ليُسدل الستار على حكم إسلامي دام 781 عاماً في شبه الجزيرة الأيبيرية. غادر أبو عبد الله مدينته متوجهاً إلى بلاد المغرب (حيث عاش وتوفي في مدينة فاس)، تاركاً وراءه قصة مأساوية تذكرنا دائماً بأن صراع الإخوة هو أول خطوات السقوط.