ملكة الأوراس الأسطورية: كيف واجهت "ديهيا" جيوش الأمويين وحكمت شمال إفريقيا؟

المقدمة (الخطّاف): بعد مقتل الملك كسيلة في معركة "ممس"، اعتقد الجميع أن المقاومة في شمال إفريقيا قد انتهت وأن الطريق بات مفتوحاً بالكامل أمام الأمويين. لكن من قلب جبال الأوراس الشاهقة، ظهرت امرأة لم يكن يشبهها أحد في عصرها؛ قائدة عسكرية، وذكية، وملكة جمعت شتات القبائل الأمازيغية لتخوض ضد الفاتحين أعنف المعارك وأكثرها تعقيداً.. إنها الملكة "ديهيا"، التي أطلق عليها المؤرخون العرب لقب "الكاهنة". فما هي قصة هذه المرأة التي حكمت المنطقة بالحديد والنار؟ البداية: صعود ملكة غير عادية ولدت ديهيا في قبيلة "جراوة" الزناتية الأمازيغية، ولم تكن مجرد ملكة بالوراثة، بل كانت تمتلك كاريزما مرعبة وقدرة غريبة على التنبؤ بالتحركات العسكرية (وهو السبب الذي جعل العرب يلقبونها بالكاهنة). بعد سقوط كسيلة، بايعتها القبائل الأمازيغية كحاكمة مطلقة للمنطقة، وأدركت ديهيا سريعاً أن المواجهة القادمة مع القائد الأموي الجديد "حسان بن النعمان" ستكون مسألة وقت فقط، فبدأت بتنظيم جيشها وإغلاق الممرات الجبلية في الأوراس. نقطة التحول: هزيمة حسان بن النعمان في معركة "وادي العذارى" في سنة 74 للهجرة، زحف القائد الأموي حسان بن النعمان بجيش ضخم لاستعادة السيطرة، لكنه تفاجأ بتكتيك عسكري لم يعهده من قبل. استدرجت ديهيا جيش حسان إلى منطقة جغرافية وعرة تُعرف بـ "وادي العذارى" (تُسمى اليوم وادي مسكيانة في الجزائر). دارت هناك معركة طاحنة تفوقت فيها ديهيا بفضل معرفتها الدقيقة بتضاريس المنطقة. هزمت جيش حسان هزيمة ساحقة، وأجبرته على الانسحاب والتراجع بكامل قواته إلى حدود برقة (ليبيا)، بل وأسرت عدداً كبيراً من جنوده، وكان من بينهم شاب عربي وسيم وذكي يدعى "خالد بن يزيد"، والذي اتخذت معه ديهيا قراراً غريباً؛ إذ لم تقتله، بل تبنته وأعطته الأمان وعاش في قصرها كواحد من أبنائها!
حكم ديهيا المطلق وسياسة "الأرض المحروقة" بعد هذا الانتصار الساحق، أصبحت ديهيا الحاكمة الفعلية لشمال إفريقيا لخمس سنوات كاملة. لكن مع علمها بأن الأمويين سيعودون بجيوش أكبر، ارتكبت ديهيا خطأً استراتيجياً قاتلاً غير مجرى التاريخ؛ حيث اتبعت تكتيك "الأرض المحروقة". أمرت ديهيا هدم الحصون، وقطع الأشجار المثمرة، وحرق المحاصيل والقرى من حدود طرابلس إلى طنجة! كانت فكرتها هي جعل المنطقة قاحلة لكي لا يجد جيش المسلمين ما يأكله أو يغتنمه فيتراجعوا. لكن هذه السياسة انقلبت ضدها تماماً؛ حيث تضرر السكان المحليون والقبائل المستقرة والبيزنطيون بشدة، وبدأوا يكرهون حكمها ويتواصلون سراً مع حسان بن النعمان لإنقاذهم. النهاية الدرامية عند "بئر الكاهنة" في سنة 79 للهجرة، عاد حسان بن النعمان بجيش لا قِبل لأحد به، مستغلاً الانقسام الداخلي والمعلومات السرية التي كان يرسلها له ابنه بالتبني "خالد بن يزيد" من داخل قصر ديهيا. التقت الجيوش في معركة أخيرة وحاسمة في منطقة طبرقة (التونسية الحالية). قاتلت ديهيا بشجاعة مستميتة رغم تقدمها في السن، لكن ميزان القوى كان قد حُسم. انتهت المعركة بمقتلها عند بئر تاريخية لا تزال تحمل اسمها حتى اليوم وعُرفت بـ "بئر الكاهنة"، وبموتها طويت صفحة واحدة من أقوى النساء اللواتي حكمن عبر التاريخ.