قصة الدولة الرستمية وكيف تحولت "تيارت" إلى قرطبة المغرب الأوسط؟
لمقدمة (الخطّاف):
في القرن الثاني للهجرة، وبينما كانت الخلافة العباسية في بغداد تهيمن على أغلب بقاع العالم الإسلامي، شهدت أرض الجزائر الحالية ولادة تجربة سياسية وفريدة من نوعها. فمن قلب الهضاب العليا، وتحديداً في منطقة "تيهرت" (تيارت الحالية)، تأسست "الدولة الرستمية" كأول دولة مستقلة تماماً عن الخلافة المشرقية. ولم تكن هذه الدولة مجرد كيان عسكري، بل تحولت عاصمتها إلى منارة علمية واقتصادية أذهلت الرحالة ووصفوها بأنها "قرطبة المغرب الأوسط" أو "بلخ المغرب". فكيف تأسست هذه الدولة؟ وما هي أسرار ازدهارها وسقوطها المفاجئ؟
البداية: عبد الرحمن بن رستم وولادة الدولة
تنتسب الدولة إلى مؤسسها القائد عبد الرحمن بن رستم، وهو رجل ذو أصول فارسية نشأ وترعرع في القيروان، واعتنق المذهب الإباضي وتعمق في علومه حتى أصبح أحد "حملة العلم" الأربعة في شمال إفريقيا.
بعد صراعات سياسية وعسكرية طويلة في القيروان وطرابلس ضد الولاة العباسيين، قرر عبد الرحمن بن رستم الانسحاب مع أتباعه نحو عمق المغرب الأوسط. وفي عام 160 للهجرة، بايعه الأمازيغ من قبائل لَوَاتة، ونَفُوسة، وزَنَاتة كإمام عليهم، نظراً لعدالته، وزهده، وعلمه الواسع، ليعلن رسمياً قيام الدولة الرستمية.
نقطة التحول: بناء "تيهرت" الأسطورية مركز التجارة العالمي
اختار عبد الرحمن بن رستم موقعاً استراتيجياً لبناء عاصمته الجديدة "تيهرت" (والتي تعني باللغة الأمازيغية "اللبؤة"). بُنيت المدينة وسط طبيعة غنية بالمياه والمراعي، والأهم من ذلك أنها كانت تقع في ملتقى طرق القوافل التجارية الكبرى الممتدة من أعماق إفريقيا جنوب الصحراء إلى البحر الأبيض المتوسط.
سرعان ما تحولت تيهرت من مجرد معسكر صغير إلى مدينة عالمية ضخمة. تميزت بالإنصاف والتسامح الفكري الديني الشديد؛ حيث عاش فيها الأمازيغ، والعرب، والأفارقة، والمسيحيون، واليهود في أمان تام. وازدهرت فيها أسواق الذهب، والملح، والأقمشة، والقمح، مما جعل أموال الدولة تتدفق بشكل منقطع النظير، ونشأت فيها حركة عمرانية متطورة شملت بناء القصور والمساجد والأسوار الحصينة.
منارة العلم: مكتبة "المعصومة" الحاضنة للمفكرين
لم يكن الرخاء الاقتصادي هو الميزة الوحيدة لتيهرت، بل كان الشغف بالعلم هو المحرك الأساسي للمجتمع؛ حيث أسس الرستميون مكتبة ضخمة جداً عُرفت باسم "المعصومة"، والتي كانت تضم عشرات الآلاف من المخطوطات والكتب النفيسة في الفقه، والتاريخ، والفلك، والرياضيات، والطب.
كان الأئمة الرستميون أنفسهم علماء ومؤلفين (مثل الإمام أفلح بن عبد الرحمن الذي كان شاعراً وعالماً بارزاً)، فتحولت عاصمتهم إلى مقصد لطلاب العلم والعلماء من العراق، والحجاز، والأندلس، لتبادل المعارف في بيئة فكرية حرة ونقاشات علمية متطورة لم تشهد المنطقة مثيلاً لها من قبل.
النهاية: زحف الفاطميين وسقوط "اللبؤة"
بعد قرن ونصف من الاستقرار والازدهار، بدأت الخلافات الداخلية تفرّق البيت الرستمي، وظهرت الصراعات على السلطة بين القبائل الأمازيغية الداعمة للأئمة، مما أضعف القوة العسكرية للدولة الحصينة.
وفي عام 296 للهجرة (909 ميلادي)، استغل الداعية الشيعي "أبو عبد الله الشيعي" (مؤسس الدولة الفاطمية) هذا الضعف والانقسام، وزحف بجيش ضخم من قبائل كتامة نحو تيهرت. حوصرت المدينة وسقطت في يد الفاطميين، وتم حرق مكتبة "المعصومة" الأسطورية وتدمير معالم المدينة، لينتهي بذلك فصل من أجمل فصول الحضارة والعلم في تاريخ الجزائر القديم، وتهاجر بقايا العائلات الرستمية نحو منطقة "وارجلان" (ورقلة) ثم استقروا نهائياً في وادي ميزاب (غرداية) محافظين على تراثهم العلمي والاجتماعي إلى اليوم.
Commentaires

