كيف قاد القائد زهير بن قيس البلوي معركة الثأر لعقبة بن نافع؟
لمقدمة (الخطّاف):
لم تكن صدمة مقتل القائد عقبة بن نافع في معركة "تهودة" بالأمر الهين على الخلافة الأموية. فسقوط القيروان، العاصمة الرمزية للمسلمين في إفريقيا، بيد الملك الأمازيغي كسيلة، أحدث زلزالاً عسكرياً ساد صداه دمشق. لكن المسلمين لم يستسلموا للواقع الجديد؛ إذ برز رجل واحد أقسم أن يعيد الهيبة، ويقود زحفاً تاريخياً لم يكن الهدف منه مجرد استعادة الأرض، بل كان "ثأراً مطلقاً".. إنه القائد الصارم زهير بن قيس البلوي. فكيف دبر خطة الانتقام؟
البداية: القيروان تحت حكم كسيلة
بعد مقتل عقبة، دخل الملك كسيلة بن لمزم مدينة القيروان وعاش فيها حاكماً لعدة سنوات، حيث اتسم حكمه بالعدل والمهادنة مع من تبقى من المسلمين هناك. ورغم استقرار الأوضاع لكسيلة، إلا أنه كان يعلم في قرارة نفسه أن دمشق لن تصمت على مقتل أحد أبرز قادتها العسكريين، وأن المواجهة القادمة خلف جبال الأوراس ستكون مسألة وقت لا غير.
نقطة التحول: الجيش القادم من الشام
في سنة 69 للهجرة، أصدر الخليفة عبد الملك بن مروان أوامره الحاسمة بتجهيز جيش ضخم، ووضع على رأسه القائد المحنك زهير بن قيس البلوي، وهو الرجل الذي عاصر أحداث المنطقة وكان رفيقاً لعقبة بن نافع. تحرك الجيش بوعيد شديد، وهدفه الوحيد: القضاء على تحالف كسيلة والبيزنطيين واسترجاع القيروان.
مع اقتراب جيش زهير بن قيس، اتخذ الملك كسيلة قراراً عسكرياً تكتيكياً؛ إذ فضل عدم التحصن داخل أسوار القيروان حتى لا يُحاصر، وقرر الانسحاب بجيشه نحو منطقة "مَمْس" (قرب القيروان) حيث تتوفر المياه وتسهل حركة الفرسان، معتمداً على دعم القبائل المحلية وفلول الجيش البيزنطي.
معركة "مَمْس" الطاحنة: لحظة الحسم
التقى الجيشان في واجهة أسطورية وصفتها كتب التاريخ بأنها من أعنف المعارك التي شهدتها إفريقيا. لم يكن هناك مجال للتراجع لكلا الطرفين: زهير يقاتل بدافع الثأر لعقبة وبسط النفوذ مجدداً، وكسيلة يقاتل للدفاع عن ملكه وجود قبيلته.
التحم الفرسان واشتد القتال لساعات طويلة، حتى رجحت الكفة لجيش المسلمين بفضل التخطيط العسكري الصارم لزهير بن قيس. وفي خضم المعركة الشرسة، قُتل الملك كسيلة بن لمزم ومعه عدد كبير من كبار قادته وزعماء قبائل البرنس. وبمقتله، انفرط عقد التحالف الأمازيغي-البيزنطي في تلك اللحظة.
ما بعد المعركة: النهاية المأساوية لزهير بن قيس
نجح زهير بن قيس البلوي في دخول القيروان مظفراً، وأعاد للأذهان هيبة الفتوحات الأولى، مقدماً الثأر الذي طال انتظاره لرفيقه عقبة. لكن هذه القصة التاريخية تأبى إلا أن تنتهي بنهاية تراجيدية مشوقة؛ فبينما كان زهير في طريق عودته نحو الشرق، تفاجأ بإنزال عسكري بيزنطي ضخم على سواحل "برقة" (في ليبيا الحالية). ولم يكن القائد زهير ممن يفرون، فاشتبك معهم في معركة غير متكافئة حتى سقط شهيداً في تلك السواحل، لينتهي الفصل الثاني من صراع الجبابرة في شمال إفريقيا.
Commentaires
