صراع الجبابرة: كيف انتهت المواجهة الأسطورية بين عقبة بن نافع والملك كسيلة؟
المقدمة (الخطّاف):
في عمق الصحراء المغاربية، وتحديداً في منطقة "تهودة" سنة 63 للهجرة، حوصر أعظم قادة الفتح الإسلامي في شمال إفريقيا، عقبة بن نافع، ومعه ثلة صغيرة من فرسانه. لم تكن هذه معركة عادية ضد جيش مجهول، بل كانت مواجهة ثأرية مصيرية انتظرها رجل واحد لسنوات.. إنه الملك الأمازيغي "كسيلة بن لمزم". فكيف تحول التحالف بين هذين الرجلين إلى واحد من أعنف الصراعات في تاريخ المنطقة؟
البداية: من هو الملك كسيلة؟
قبل أن تشتعل الحرب، كان كسيلة بن لمزم زعيماً بارزاً لقبيلة "أوربة" الأمازيغية، وكان يدين بالمسيحية مثل معظم سكان المنطقة آنذاك بتأثير من البيزنطيين. مع وصول جيوش المسلمين، أدرك كسيلة بقوته وحنكته أن موازين القوى تتغير، فقرر إعلان إسلامه والتحالف مع الفاتحين، وتحديداً مع القائد "أبو المهاجر دينار" الذي كان يتبع سياسة اللين والتحالف مع زعماء المنطقة لكسب قلوبهم.
نقطة التحول: بداية الخلاف
تغيرت كل القواعد عندما عاد القائد "عقبة بن نافع" إلى ولاية إفريقيا مجدداً. كان عقبة قائداً عسكرياً صارماً لا يؤمن بالمهادنة، ويرى أن الحزم هو السبيل الوحيد لاستقرار الفتح.
هنا بدأت الصدامات الصامتة بين عقبة وكسيلة؛ حيث تعامل عقبة مع كسيلة كـ "أسير حرب" أو تابع، وليس كملك وزعيم لقبيلته. يذكر المؤرخون حادثة شهيرة تلخص هذا الخلاف: حين أمر عقبةُ كسيلةَ بذبح شاة لجيش المسلمين، فقام كسيلة يمسح لحيته الملطخة بالدم، وهو أمر عند الأمازيغ يعني التهديد بالانتقام الشديد. ورغم أن القادة المقربين حذروا عقبة من غضب كسيلة، إلا أن عقبة لم يبالِ به وأخذه معه كرهينة في مسيرته الطويلة نحو المحيط الأطلسي.
التخطيط للمؤامرة: الهروب الكبير
بينما كان جيش عقبة يتقدم غرباً، كان كسيلة يتظاهر بالولاء التام، لكنه في الخفاء كان يراسل رجاله والقبائل الأمازيغية الموالية له، بالإضافة إلى فلول الجيش البيزنطي. كان ينتظر "اللحظة الذهبية" التي يضعف فيها جيش المسلمين.
وجاءت اللحظة المناسبة أثناء عودة عقبة بن نافع نحو القيروان؛ حيث ارتكب خطأً عسكرياً قاتلاً عندما سمح لمعظم جيشه بالتقدم أمامه، وظل هو في مؤخرة الجيش مع حوالي 300 فارس فقط. هنا، استغل كسيلة الوضع وهرب في جنح الليل ليلتحق بجيشه الذي كان ينتظره في شعاب جبال الأوراس.
النهاية المأساوية في معركة "تهودة"
تفاجأ عقبة بن نافع بجيش جرار يحيط به من كل جانب بقيادة كسيلة. ورغم عدم تكافؤ الفرص (300 فارس ضد آلاف المقاتلين)، إلا أن عقبة رفض الاستسلام تماماً.
أمر عقبة رجاله بكسر أغماد سيوفهم (إشارة إلى القتال حتى الموت)، واشتبك الطرفان في معركة شرسة وطاحنة في واحة "تهودة". انتهت المعركة بمقتل القائد عقبة بن نافع ومعظم فرسانه، ودُفنوا في تلك المنطقة (التي تُعرف اليوم بمدينة سيدي عقبة في الجزائر).
ما بعد المعركة: كسيلة يحكم القيروان
بعد انتصاره الساحق، تقدم كسيلة بجيشه نحو عاصمة المسلمين "القيروان" ودخلها فاتحاً. ولأنه كان رجلاً ذكياً، لم ينتقم من المسلمين المقيمين هناك، بل أمّنهم على حياتهم وأموالهم، وأسس دولة قوية وحكم المنطقة لعدة سنوات بعدل كبير شهد له المؤرخون، حتى أرسلت الخلافة الأموية جيشاً جديداً لتبدأ فصول قصة أخرى من قصص هذا التاريخ المليء بالإثارة.
Commentaires

